الرسائل

ما لا يُقال بصوتٍ عالٍ، يُكتب هنا — دون توقيع.
ما يصل يُقرأ، وقد يُنشر دون تعريف.

رف انتظار خديجة، ٣٤ سنة

انتظرتُ ثماني سنوات. قلتُ في نفسي أنه محتاج وقت للاستعداد...، وإن الوقت المناسب مازال ماجاش. وكنتُ أصدّق ذلك — أو أصدّق أنني أصدّقه.

يوم قرأتُ نصَّكم عن الانتظار، جلستُ أمامه ساكتة طويلاً. ليس لأنني وجدتُ إجابةً، بل لأنني أدركتُ أن ما كنتُ أنتظره لم يكن موافقته على الطفل. كنتُ أنتظر إذناً منه لأريد ما أريده.

ثماني سنوات لأكتشف أن ما ضاع لم يكن الوقت.

ثماني سنوات... هذه ليست مجرد فترة انتظار، بل كانت رحلة طويلة من الترويض. روّضتِ فيها أحلامكِ، وقصصتِ أجنحة رغباتكِ لتصبح مقبولة، حتى نسيتِ تماماً كيف كانت تبدو في الأصل.

هناك سؤال خفي يختبئ بين سطور رسالتكِ، سؤال ثقيل جداً نتجنب عادةً مواجهته: ماذا تريدين أنتِ الآن؟ لا أقصد ما تريدينه منه، ولا من هذا الوضع... بل ماذا تريدين أنتِ لنفسكِ، لو خلوتِ بها بعيداً عن أعين الجميع؟

المشكلة أننا حين نعتاد على استجداء الإذن لفترة طويلة، نصل إلى نقطة ننسى فيها كيف نختار، وماذا نريد أصلاً.

ثماني سنوات وأنتِ تنتظرين إشارة منه... وربما قبلها سنوات أخرى قضيتها في انتظار إذن من شخص آخر؛ والدكِ ربما، أو مجرد صوت داخلي أقنعكِ أن رغباتكِ لا قيمة لها إن لم يُصادق عليها الآخرون.

الخسارة الحقيقية هنا ليست في السنوات التي مضت... بل في كل تلك اللحظات التي لمع فيها شيء في عينيكِ، ثم أطفأتهِ بهدوء وأنتِ تهمسين لنفسكِ: «سأنتظر حتى يرغب هو في ذلك أولاً»

رف عطاء بثينة، ٣٩ سنة، مراكش

أعطي دائماً. للأم، للزوج، للأطفال، للجارة التي لا أحبّها. ولا أشعر بالتعب — أو هكذا كنتُ أقول لنفسي.

بعد اكتشاف موقعكم، سألتُ نفسي متى أعطيتُ لأنني أردتُ فعلاً أن أعطي، لا لأنني خفتُ ألّا يُحبونني دون أعطني. لم أجد إجابة. ثم تذكّرتُ أمّي — هي أيضاً تُعطي دائماً. وجدّتي كانت كذلك.

ظننتُ أن هذا حبّ. ربما كان خوفاً يتوارثه النساء ولا نعرف له اسماً.

شكرا لكم

حين بدأتِ رسالتكِ بـ «شكراً لكم»، شعرنا بمدى تجذر العطاء في أعماقكِ؛ فحتى وأنتِ تسألين عن التضحية، لا تكفين عن المنح. ما تصفينه هنا ليس مجرد عادة، بل هو النسيج الذي غُزلت منه حياتكِ قبل أن تملكي خيار الرفض.

هذه السلسلة الممتدة من الجدة إلى الأم، وصولاً إليكِ... ما الذي نُقل عبرها خلف الكواليس؟ لم يكن مجرد حثٍّ على الكرم، بل كان عقداً غير مكتوب يقول: «الحب ثمنه التضحية، ومن لا تمنح، لا تستحق أن تُحب».

دعينا نطرح سؤالاً قد يبدو قاسياً: ماذا لو قررتِ، كنوع من التجربة، أن تغلقي ينابيع عطائكِ ليوم واحد؟ من سيلتفت؟ من سيفتقد وجودكِ أنتِ، لا ما تقدمينه لهم؟

والأصعب من ذلك كله.. هل تركتِ بناتكِ يشربن من نفس الكأس رغماً عنكِ؟ فالأمهات يورثن سلوكهن قبل كلماتهن، والبنات يقرأن أمهاتهن بالنظر لا بالاستماع.

التشخيص الحقيقي لما تمرين به موجود، وأنتِ تعرفينه في قرارة نفسكِ... لكنكِ تؤجلين الاعتراف به، لأن من يمنح الوجع اسماً، يصبح مسؤولاً عن اتخاذ قرار الشفاء

رف صمت إلهام، ٤٢ سنة

أمّي تحتضر. ولا أعرف ماذا أقول لها.

في حياتي كلّها تكلّمتُ — دافعتُ، شرحتُ، أقنعتُ، جادلتُ. والآن، بجانب سريرها، لا أجد كلمة واحدة. نجلس معاً في صمت طويل وأنا أنظر في يدها.

أحياناً أفكّر أن هذا الصمت هو أصدق شيء قلناه في كل هذه السنوات. لكنني أخاف أن تموت قبل أن أقول شيئاً. وأخاف أكثر أن أقول شيئاً ويكون أقلّ من الصمت.

هناك صمتٌ يبني الجدران ويفصل بين القلوب، وهناك صمتٌ آخر يضمّ الأرواح ويجمعها... وأنتِ، في أعماقكِ، تعرفين تماماً أي الصمتين يعمّ المكان الآن، رغم كل الخوف الذي يثيره في صدركِ.

لقد قضيتِ عمركِ كله في الكلام، لكن... عن أي شيء كنتِ تتحدثين حقاً؟ إن كل ذلك الصخب الذي سمّيتِهِ كلاماً لم يكن دائماً جسراً للتواصل؛ بل كان أحياناً جداراً آخر، بنيتِهِ من الجمل بدلاً من الطوب.

ما يسبّب لكِ الخوف ليس الصمت ذاته، بل تلك الفكرة: أن يكون هذا الجلوس الطويل، وعيناكِ تتأملان تفاصيل يدها، هو أصدق وأعمق ما تبادلتماه طوال سنوات عمركما.

نحن لا نخبركِ بأن الصمت وحده يداوي كل شيء، لكننا نهمس لكِ بسؤال واحد: هل يدها الآن في يدكِ؟ إن كانت كذلك... فاطمئني، أنتِ لم تصمتي قط.

رف هوية سلمى، ٢٩ سنة، الدار البيضاء

عُدتُ من فرنسا بعد سبع سنوات. ظننتُ أن العودة ستُجيب على سؤال كنتُ أحمله هناك.

أكتب لأصدقائي بالفرنسية وأحكي لعائلتي بالدارجة وأفكّر بالعربية وأحلم أحياناً بلغة لا اسم لها. في باريس كنتُ «المغربية». في المغرب أنا «التي جاءت من فرنسا». في المرآة لا أعرف من هي التي تنظر.

سؤال يلحّ عليّ منذ عُدتُ: من أكون حين لا ينظر إليّ أحد؟

تقولين: «في المرآة لا أعرف من هي التي تنظر إليّ»... لكن أخبريني، من قال لكِ إن المرايا تملك الإجابة، أو أنها تعرفكِ حقاً؟

تلك اللغة الغامضة التي تسكن أحلامكِ ولا تجدين لها اسماً، ربما هي أصدق وأطهر لغاتكِ على الإطلاق. هي ليست علامة على الضياع أو الخلل، بل هي ما تبقى منكِ حين قررتِ أخيراً أن تسقطي عن كاهلكِ كل الهويات المعلّبة.

وثمة سؤال خفي لعلكِ تتجنبين مواجهته: هل كنتِ تعرفين نفسكِ حقاً قبل مغادرتكِ؟ أم أن باريس لم تكن سوى المرآة الكبرى التي جعلت هذا السؤال مرئياً وصارخاً في وجهكِ؟

فالهوية ليست مسألة جغرافيا أو جوازات سفر، بل هي ما تسمحين لنفسكِ أن تكونيه حين لا يعود هناك أحد يملي عليكِ من أنتِ.

تسألين: «من أكون حين لا ينظر إليّ أحد؟»... هذا السؤال يرجف قلبكِ لأنكِ تخشين أن تكون الإجابة: «لا أحد». لكن تلك اللغة الفريدة التي تحلمين بها وحدكِ في عتمة الليل... هي شيء حقيقي وعميق، هي «أنتِ» في أبهى تجليكِ.

وهي لا تنتظر اعترافاً من مدينة أو خارطة، بل تنتظر فقط أن تمنحيها أنتِ اسماً وحياة.

إن أردتِ أن تكتبي — ما لا تعرفين اسمه بعد، أو ما تعرفينه ولا تجرئين على قوله —

letters@nafssi.com

لا اسم، لا توقيع. ما يصل يُقرأ.

رسالة كلّ جمعة — الثانية صباحاً

ليست نشرة أخبار. نصٌّ واحد في الأسبوع — يصلكِ حين يكون النوم بعيداً.