رف هوية

الخطأ والاعتذار

الخطأ الذي لا تعرفينه — وهذا هو الخطأ

حين ارتكبتِ ما ارتكبتِ —
ما أول شيء قمت به؟
لا تُجيبي بسرعة.
الإجابة السريعة هي بالضبط ما يجب أن نتكلم عنه.

أولاًليس الخطأ هو ما يخيفك حقا.

حين تحدث بعض الأمور السلبية:
الكسر، الكلمة القاسية، القرار الذي ندمتِ على اتخاذه،
لا يكون الندم هو أول ما تشعرين به.
أول شعور ينتابك هو الرعب.
رعب صغير، بلا اسم.
رعب من أن يرى أحدٌ ما، ما يقوله هذا الفعل عنكِ.
حين تكسر طفلة ما كأسا، فإنها لا تسمع:
"انتبهي المرة القادمة."
تسمع:
"شنو هاذا الشيء؟" واش عاجبك الحال دبا؟"
السؤال لا يصف ما حدث.
يصف من هي.
ومع السنوات، دخلَت المعادلة بصمت إلى عمقها:
الخطأ: ليس ما قامت به.
الخطأ هو ما هي عليه.
لهذا السبب، أي خطأ — مهما صغُر، سيُشعركِ وكأن صورتك تتشقّق.

ثانياًطريقتان للهروب من نفس المكان

الأولى: الإخفاء.

"لا يجب أن يعرف أحد بالامر."
"خليها بيناتنا."
"الله يستر وصافي."

تبدو هذه الجمل وكأنها تحميك.
لكنها في الجوهر تطلب شيئاً واحداً:
أن تختفي أنتِ وليس الخطأ.
أنتِ.
نعم أنت
الصورة يجب أن تُصان.
والشخص الذي أخطأ يُترَك وحيداً،
بلا اعتراف، بلا فهم،
في مكان لا أحد يعرف أنه موجود أصلاً.

والثانية: العقاب.

"ما كنتش عارفة راسي."
"هذا طبعي."
"أنا دايما هكذا."
من الخارج يبدو تحمّلاً للمسؤولية.
من الداخل يحدث شيء آخر:
حين تعاقبين نفسكِ،
تصبحين مشغولة بها.
والمشغولة بنفسها لا تسأل.

العقاب الذاتي لا يُريحكِ من الخطأ.
يُريحكِ من السؤال الذي يأتي بعده.

ثالثاً: التوبة التي تُفلح
"الله غفور رحيم."
"كلنا خطائين."
"المهم التوبة والاستغفار."
وهذا صحيح.
والإيمان بالمغفرة ليس وهماً.

هناك نساء حقيقيات خرجن من أخطاء ثقيلة أخفّ وأصدق، بسبب هذا الإيمان تحديداً.
لأنه أعطاهن شيئاً نادراً:
إذناً بأن يكنّ بشراً.
لكن، هذا أيضاً يمكن أن يُؤدَّى بشكل ميكانيكي.
يمكن أن تستغفري ألف مرة
وتُبقي في الوقت ذاته، ما أوصلكِ إلى الخطأ ساكناً في مكانه.
بلا اسم. بلا فهم.
ينتظر فرصته.

التوبة التي تُنضِج
ليست تلك التي تمسح الخطأ.
بل تلك التي تمر عبر الخطأ وتسأل:
من كنتُ حين فعلتُ هذا؟

رابعاًلماذا الاعتراف الحقيقي مستحيل

الاعتراف الحقيقي بالخطأ،
لا يعني "أخطأتُ في هذا الأمر."
يعني شيئاً أثقل:
"لم أكن من ظننت أنها انا، في تلك اللحظة."
امرأة قالت لصديقتها كلاماً مسيئا.
قالته في جلسة عائلية — والكل سمع.
اعتذرت بعد ساعة.
والصورة بقيت في نظرها: "أنا امرأة هادئة، ما أذيتش تا واحد."
لكن الاعتراف الحقيقي يعني شيئاً آخر:
أن تجلس مع الجزء منها الذي أراد أن يُؤذي.
الجزء الذي اختار تلك الكلمات بالذات.
في تلك اللحظة.
أمام أولئك الناس بالذات.
وهذا الجزء —
لا أحد يريد أن يُقابله، وجها لوجه.
لأن على تلك الصورة بُنيَ الكثير.
علاقاتها. قراراتها.
طريقتها في رواية حياتها لنفسها.
الاعتراف الحقيقي لا يهدد الخطأ.
يهدد الرواية.
والرواية أهم.
دائماً.

خامساالفخ الأعمق

الأخطر في كل هذا:
أنكِ حين تقرئين عن الإخفاء والعقاب والتوبة السريعة،
قد تقولين: "أنا لستُ هكذا."
امرأة قرأت هذا النص — أو ما يشبهه.
قالت في نفسها: "أنا كنعترف بأخطائي. انا ماشي هكذا."
ولو سألتِها: متى كانت آخر مرة جلستِ مع خطأ حقيقي،
لا الكلمة التي اعتذرتِ عنها فوراً،
اتحدث عن الخطأ الذي لا تزالين تُسوّغينه في نفسكِ،
ستصمت.
لأن الاعتراف الذي تعتز به،
يشمل فقط الأخطاء التي لم تهدد الصورة.
"أنا لستُ هكذا" —
هي بالضبط جملة من تُخفي.
لكنها لا تعرف أنها تُخفي.
لأنها لم تتعلم أن الإخفاء يحدث أيضاً عن قناعة.

في النهاية
الهروب لا يعني الاختباء فقط.
الهروب أيضاً،
أن تقرئي نصاً كهذا،
وتشعري أنكِ فهمتِ،
وتطوي الصفحة مطمئنة.
لأن "فهمتُ" —
حين لا تُتبَع بما يزعزع —
هي أرقّ أشكال الإخفاء.
والسؤال الذي لا يُغلق:
وأنتِ الآن تتساءلين "هل هذا ينطبق عليّ؟" —
من الذي يسأل؟
لأن الذي يسأل،
هو نفسه الذي تكلّمنا عنه طوال النص.

هذا مايسكننا بلا إذن

إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.

راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا

رسالة كلّ جمعة — الثانية صباحاً

ليست نشرة أخبار. نصٌّ واحد في الأسبوع — يصلكِ حين يكون النوم بعيداً.