رف هوية

عدم القدرة على البكاء

الباب الذي تعلمنا ألّا نطرقه: عن الرغبة في البكاء وعدم القدرة عليه

لا تستطيعين البكاء،
تعتقدين ربما أن مشاعرك قد تبلدت،
إطلاقا. المشاعر حية لا تموت.
لكن الدمعة تعلمت مبكرًا،
ألَا تخرج من تلقاء نفسها.
تنتظر تواجدك في مكان آمن لتنسكب بحرية،
تنتظر اسمًا يصف ما يحدث،
وإحساسًا داخليًا بأن ما يؤلمك
يستحق أن يُرى.
يستحق أن يُبكى.
وحين يحرم الإنسان من هذه الاشياء في وقت مبكر من عمره،
تصبح الدمعة صاحبة القرار في الانهمار من عدمه.

أولاأكثر من مجرد كتمان

الكتمان يعني أن شيئًا تشكّل ثم مُنع من الخروج للملأ
بعض الناس يعيشون شيئًا أكثر خفاءً:
مشاعرهم لا تختفي، بل تولد بعيدة عن الكلمات منذ البداية.
طفلة تسمع، كلما بكت:
"علاش كتبكي؟"
فتتعلم السؤال قبل أن تتعلم كيف تجيب عنه.
ليس بالضرورة أن من حولها قاسون.
ولكن لأن هناك من لا يعرف كيف يتعامل مع المشاعر إلا بعد أن يفسرها.
فتنشأ الفكرة في صمت:
الألم يحتاج سببًا واضحًا،
وما لا يمكن شرحه بسرعة، يصعب مشاركته.
مع الوقت، لا تختفي المشاعر
ما يختفي هو الطريق المؤدي إليها.

ثانياالبكاء ليس مجرد دموع

نظن ان البكاء رد فعل تلقائي.
وهو، في عمقه، علاقة.
علاقة تجمع بين شعور يحدث،
وشخص يسمح لنفسه بأن يعترف به.

ثقل هائل في الصدر، ثم اكتشاف العجز عن البكاء رغم ذلك.
ليس غيابًا للألم، إنما هناك جزء داخلي تعلم البقاء متماسكًا
أكثر مما تعلم الانهيار.

الجسد يرسل إشارة،
لكن...
لا أحد في الداخل اعتاد الإصغاء إليها بالكامل.

ثالثاحين تتحول الجمل إلى هوية

"ما تبكيش، راك كبيرة."
"البكاء ما كيحلش المشكل."
"كوني قوية."
عبارات تتسلل، مع السنوات، إلى صورة الإنسان عن ذاته.
لا يبقى الأمر في إطار: "أنا أمنع نفسي من البكاء."
يصبح أقرب إلى:
"أنا لست ممن يبكون."

هنا يبدو البكاء غريبًا، محرجًا، غير لائق بصاحبه
لا لأنه يرفضه عمدًا، بل لأنه لم يتعلم رؤيته كجزء طبيعي من شخصيته.

رابعاالتعب الذي يشبه القوة

من الخارج، تماسك.
من الداخل، شيء أكثر تعقيدا.
من يمر بتجربة الفقد، ثم يرتب البيت.
ينتهي من الجنازة، ثم يعود للأعمال اليومية...
كأن شيئًا لم يحدث.
هو يجيب: "أنا بخير" لأنه ببساطة
لا يعرف ماذا يقول غير ذلك.

أحيانًا ينم هذا التصرف عن قوة حقيقية.
وأحيانًا أخرى، يعتبر ابتعادا طويلا عن المشاعر
لدرجة فقدان طريق العودة إليها.
والفرق بين الاثنين ليس واضحًا دائمًا.

خامساهل في الصمت حماية؟

ربما...
البكاء يكشف أكثر مما يحتمل البعض،
والصمت يحفظ شيئًا من الكرامة أو الخصوصية.
وهذا مفهوم.

المشكلة تبدأ حين لا يكون الصمت حماية مؤقتة،
يصبح اللغة الوحيدة التي يعرفها الإنسان مع نفسه.
حينها، يتغير السؤال من:
"لماذا لا أبكي؟"
إلى: هل ما أشعر به يصل إليّ كما هو،
أم يصل بعد طبقات طويلة من التماسك والتبرير والتأجيل؟

سادساما لا نشعر بخسارته

لا أحد يبكي بقرار مباشر.
لهذا تبدو "اسمح لنفسك بالبكاء"
صحيحة أحيانًا، وعاجزة أحيانًا أخرى.

بعض الناس لا يشعرون بدموع محبوسة خلف باب مغلق.
يشعرون بهدوء غريب،
لا يعرفون إن كان نضجًا، أم تعبًا طال أمده، حتى فقد صوته.

هنا المفارقة الأصعب: سنوات تمر دون أن يدرك الإنسان أن شيئًا ما انقطع داخله، لأن ما فُقد تسرّب تدريجيًا، لا فجأة.
ختاما

ربما المشكلة ليست في عدم القدرة على البكاء.
الفكرة التي تعلّمها كثيرون في الصمت:
أن ما يحدث داخلهم لا يستحق الانتباه إلا إذا أمكن تفسيره جيدًا،
تبريره جيدًا،
أو إثبات أنه كافٍ كي يُؤخذ بجدية.
لكن بعض المشاعر لا تأتي واضحة.
لا تملك خطابًا مقنعًا عن نفسها.
ومع ذلك، تكون حقيقية.

وربما بداية التغيير ليست في أن تبكي فورًا، بل أن تتوقفي، للمرة الأولى، عن مطالبة ألمك بأن يثبت أنه يستحق أن يُسمع.

إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.

راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا

رسالة كلّ جمعة — الثانية صباحاً

ليست نشرة أخبار. نصٌّ واحد في الأسبوع — يصلكِ حين يكون النوم بعيداً.