العطاء كإدمان
عندما تعطين لأنك لا تعرفين كيف تكونين أنت دون عطاء
تظنّين احيانا أنّكِ تعطين لأنّكِ تحبّين.
ربما.
وربما لأنك لا تعرفين كيف تكونين "أنت" دون عطاء.
العطاء هنا كلمة كاذبة.
لأن العطاء يفترض ذاتاً تختار أن تمنح، او تمتنع عن المنح.
أنتِ لا تعطين لأنّكِ كريمة.
تعطين لأنّ التوقّف ليس خياراً متاحاً في قاموسكِ.
ولأنّه كذلك، لا يمكن تسميته عطاءً.
العطاء فعل حر.
ما تفعلينه أنتِ — تنفُّس.
من السهل القول : "هكذا تربيت".
لكنّ التنشئة وحدها لا تُنتج هذا الفعل.
في عمقكِ تتقاطع أربع طبقات:
● الطفلة التي تعلّمت أنّ حبّ أمّها مشروط بأن تكون "مزيانة"، تساعد، تطيع، لا تُتعب أحداً.
● المراهقة التي اكتشفت أنّ قيمتها في عيون الآخرين تُقاس بما تقدّمه.
● المؤمنة التي تربّت على أنّ "المرأة الصالحة" هي التي تُضحّي بصمت.
● الزوجة التي تعرف، دون أن يُقال لها، أنّها العمود الذي لو سقط لانهار البيت.
كلّ طبقة بحبكتها الخاصة تحيلك على الجملة نفسها:
أنتِ موجودة بقدر ما تنفعين.
ولأنّها أربع طبقات لا واحدة، فالخروج منها لا يكون بفهم الفكرة فقط، إنما عبر تفكيك نسخ متعدّدة من نفسكِ،
فكلّ طبقة تُعَرِّف العطاء بلغة مختلفة.
كلّ خطاب يحرس شيئا ما، وهذا الخطاب يحرس بنية بأكملها:
● بيت لا يقع، لأنّ امرأة تحمله بصمت.
● عائلة لا تنهار، لأنّ ابنة تؤجّل حياتها.
● رجال يستريحون، لأنّ نساءهم لا يستطعن ذلك.
● "الجنة تحت أقدام الأمّهات" قد تكون تكريماً صادقاً، لكنّها، حين تُستعمل بنيوياً، تشتغل أيضاً كعقد مؤجَّل: أنتِ تعطين الآن، وتُكافئين في الآخرة.
أي أنّ كلّ مطالبة منكِ — هنا، الآن — تبدو وقاحة.
"أنتِ ما خصكِش تطلبي. أنتِ كتعطي."
العطاء صار اسماً للمنع من الطلب.
خلف كلّ سلوك إدماني، هناك آليتان تشتغلان معا.
■ الأولى ميكانيكية: التعزيز المتقطّع.
لو كافأكِ العالم في كلّ مرة، لاكتفيتِ.
لو تجاهلكِ دائماً، لتوقّفتِ.
لكنّه يكافئ مرة، يتجاهل عشراً. يقدّر شهراً، ينساكِ سنة.
عقلكِ لا يطارد المكافأة، يطارد احتمالها.
■ الثانية أعمق: ذاكرة الطفلة التي بداخلك.
حين تعلّمت، قبل أن تعرفي الكلام، أنّ التوقّف عن النفع يعني فقدان الحبّ.
وعندما تمتزج هذه الذاكرة بآلة التذبذب، لا يبقى العطاء كونه سلوكا فاضلا، يصبح لغة الأمان الوحيدة التي تعرفينها.
هنا التمييز الذي يهرب منه من يكتب عن هذا.
العطاء من فيض ليس إدماناً.
● الأمّ التي تطبخ لأطفالها وهي تستمتع، ثم ترتاح حين ينامون، معطاءة.
● الأمّ التي تطبخ وهي مرهقة، وتسهر إلى أن ينام الجميع رغم الإنهاك، مدمنة.
الفرق التشغيلي بسيط:
يكون العطاء صحيحاً ما دامت كلمة "لا" متاحة وممكنة.
يصبح إدماناً حين تُقال "لا" فيتبعها أسبوع من الشعور الذنب.
لستِ بالضرورة في الحالة الثانية.
لكنّ السؤال الصادق:
كم مرة قلتِ "لا" هذا الشهر، دون أن تدفعي ثمنها داخلكِ؟
هنا الجزء الذي لا يحبّ أحد قراءته:
أنتِ ضحيّة هذا النظام.
لكنّكِ أيضاً، في مكان ما، الحارسة التي تبذل الغالي والنفيس كي يبقى قائما.
تُربّين ابنتكِ على ما تربّيتِ عليه من أمك، حتى وأنتِ ترفضينه نظرياً.
تنظرين إلى المرأة التي ترتاح وتفكّرين بشيء لا تقولينه: "واش من نيتها؟"
ترفضين العون حين يُعرَض، لأنّ قبوله يهدّد الصورة التي بنيتِها عن نفسك.
تشعرين بفوقيّة هادئة، -لا تعترفين بها- على من هن أقل عطاء منكِ.
النظام لا يحتاج إلى رجل يفرضه عليكِ كلّ صباح.
يعمل من داخلكِ.
أنتِ تحملينه. أنتِ تنقلينه. أنتِ تعاقبين من يخرج عنه.
وهذه ليست تهمة.
هذه آلية البنية: كي تدوم، تنتج ضحايا يصبحون حُرّاسها لاحقا.
التوقّف يُتعب أكثر من الاستمرار.
المُدمن ليس من يستمتع بسلوكه — بل من يجد في الاستمرار راحة من ألم التوقّف.
العطاء يُتعبكِ.
التوقّف يُفنيكِ.
و بين التعب والفناء، يختار الجسد التعب دائماً.
من أنتِ حين لا تكونين نافعة؟
لو فُرض عليكِ يوم واحد دون خدمة أحد، دون اتصال بأحد، دون أي عطاء، ماديا كان أو معنويا:
هل سترين نفسك بالطريقة ذاتها؟
أم ستجدين الفراغ الذي كان يملؤه العطاء منذ كنتِ طفلة؟
أنتِ الآن تقرئين هذا، وفي مكان ما داخل عقلك، يعمل خطّ موازٍ:
"خصني نشري ديك الحاجة قبل ما نسى."
"واش عيّطت لفلانة اليوم؟"
لم تتوقّفي.
لكن لاحظي شيئاً:
أنتِ الآن تعرفين أنّكِ لم تتوقّفي.
هذا الوعي الصغير، الهامشي، شبه المهمل —
ليس حلاً.
لكنّه مكان لم يكن موجوداً قبل دقائق.
لأنك لن تخرجي من العطاء بقرار.
ربما لن تخرجي أصلاً.
لكنّكِ، الآن، رأيتِ القفل.
وما يُرى — لا يشتغل بنفس الطريقة مرة أخرى.
إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.
راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا