رف عجز

هذا العالم يحتاج الى ضحية

عندما يخترع العقل أسبابا لإسكات الضمير

في 1965، لم يكن ما فعله ميلفين ليرنر مجرّد تجربة.
كان كشفا مرعبا لما يمكن للعقل البشري اختراعه
لاسكات صيحات الضمير...

طالبات (مقسمات على مجموعتين)
يشاهدن امرأة تتألّم.
لا سبب واضح. لا خطأ تم ارتكابه.
ثم يُقال للمجموعة الأولى: سيتوقّف الألم بعد قليل.
فيتعاطفن مع المرأة التي تتألم.

ويُقال للمجموعة الثانية: سيستمرّ الألم.
ولا واحدة منكن تستطيع التدخّل لإيقاف الألم.
النتيجة مفاجئة، لم يتعاطفن معها كما فعلت المجموعة الأولى
كانت ردة فعلهن متشابهة:
"لا بدّ أنّها تستحقّ مايحدث لها."

الاختلاف لم يكن في المرأة.
بل في قدرة الطالبات على تحمّل العجز.

حين تعجزين عن إنقاذ الضحيّة، تقومين بإدانتها.

هكذا وُلدت فرضيّة:
العالم عادل… لأننا لا نحتمل أن يكون غير عادل.

أولاالذهن يخاف من الفوضى وليس من الألم

الألم مفهوم.
يمكن تفسيره.
يمكن تحمّله.
لكنّ العشوائية؟
أن يحدث لكِ شيء دون سبب…
دون إنذار…
دون منطق؟
هذا انهيار للمعنى وليس ألما.

لذلك يختار الذهن معادلة قاسية، لكنها مستقرة:
كلّ ألم له سبب، وكلّ سبب… فيكِ أنت.

أن تكوني مذنبة،
أقلّ رعباً من أن تكوني عُرضة
لأن يحدث لكِ الأذى في أي لحظة.
دون سبب.
دون قدرة على السيطرة.

ثانياكيف تُصنع المسؤولية داخل الضحيّة

قبل أن تتعلّم البنت تفسير العالم،
تتعلّم سؤالاً واحداً: "شنو دِرتي؟"

ليس سؤالاً. بل قالب تفسير جاهز.

أيّ حدث — يُعاد توجيهه نحوها.
أيّ خلل — يُبحث عنه فيها لا في غيرها.

تأخّرتِ بالعودة الى البيت؟ شنو دِرتي.
تحرش بك رجل؟ شنو دِرتي.
تطلقتِ؟ شنو دِرتي.
ضُربتِ؟ شنو دِرتي.

السؤال هنا يُنتج الحقيقة بدل البحث عنها
ومع الوقت،
لا أحد يسألها.
هي التي تسأل.
هي التي تُدين.
وهي التي تحكم.

ثالثاالتضحية التي لا تُسمّى

حين تسمع امرأة عن أخرى تعرّضت لظلم ما،
تسبقها جملة: "يعلم الله أش دارت"
هذه آلية بقاء وليست قسوة كما قد يعتقد البعض.

لأن البديل خطير ومرعب:
أن تقبل أنّ ما حدث لتلك المرأة… يمكن أن يحدث لها شخصيا.
بلا سبب...
بلا تحكّم...
بلا حماية...

لذلك يحدث هذا التبديل الصامت:
الأمان… مقابل الإنكار.

لوم شخص ما، هو ثمن طمأنينة شخصٍ آخر
رابعاالنظام الذي يحرس نفسه

فكرة أن "العالم عادل" لا تُبقيكِ آمنة.
إنما تُبقي النظام مستقراً.
لأنها تُنتج نتيجة واحدة: لا أحد بريء تماماً…
إذن لا أحد مظلوم تماماً.

وإذا لم يكن هناك ظلم واضح، فلا حاجة للاعتراض.
ولا حاجة للتغيير. ولا حاجة لفتح الأبواب المغلقة.

هكذا لا يُفرَض الصمت، إنما يُبرَّر.
ولا تُقمع المرأة، بل تُقنع نفسها.

خامساالجملة التي تسبقكِ

انتبهي لأوّل جملة.
ما يظهر قبل أن تختاري قوله، وليس ما تقولينه

إن كانت: "يعلم الله أش دارت"، فهذا لا يجعلكِ قاسية،
ولكنه يكشف شيئاً أدق: ذهنكِ يتفاوض مع الخوف.
يحاول أن يقنعكِ أن العالم قابل للفهم،
حتى وإن كان الثمن تشويه الحقيقة.

لكن الحقيقة أبسط… وأخطر:
ليست كلّ الأشياء مبرَّرة.
وليست كلّ الآلام مستحقّة.

وربّما…
أنتِ أيضاً، في لحظة ما،
سألتِ نفسكِ: "شنو درت؟"

ليس لأنكِ أخطأتِ،
بل لأنكِ لم تتحمّلي أن لا يكون هناك جواب،
فاخترعتِ واحداً، وعشتِ به… كأنّه حقيقة.

المشكلة ليست في تصديق هذا الجواب.
إنما في عدم رؤيته كاختراع.
وهنا يبدأ الثمن الحقيقي.

هذا ما يسكننا بلا إذن منا، ليس لقسوة
بقدر ما هو تعبير عن الحاجة إلى المعنى…
مهما كان هذا المعنى زائفاً.

هذا مايسكننا بلا إذن منا

إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.

راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا

رسالة كلّ جمعة — الثانية صباحاً

ليست نشرة أخبار. نصٌّ واحد في الأسبوع — يصلكِ حين يكون النوم بعيداً.