الغضب الذي لا تُدركينه
حين تُترجمين الغضب إلى دمعة، يرى الآخر ضعفًا لا مطالبة بالإنصاف.
"ما فيا لي يتخاصم"
هذه الجملة لا تعني الهدوء.
قد تعني شيئاً أعقد من ذلك بكثير:
أن الغضب لا يصلكِ باسمه.
ثمة فرق بين الكتمان والترجمة.
● الكتمان: أعرف أنني غاضبة، لكنني أقرر عدم إظهار ذلك.
● الترجمة: لا أعرف أنني غاضبة.
ما أعرفه هو أنني "ماشي تا لهيه"
"مخنوقة"
"ما حاساش براسي هي هاذيك".
● الغضب يقول: "ما حدث لم يكن صحيحاً، وأنا أطالب بشيء."
● الكلمة البديلة تقول: "أنا أتألم. ولا أطالب بشيء."
هذا الفرق يحدد ما إذا كان العالم حولكِ سيتغير، أم سيستمر على حاله.
لا تعتبر المشاعر السلبية -إذا جاز التعببر- محظورة بنفس القدر.
الحزن مسموح به، شرط ألا يطول.
الخوف مسموح به، شرط ألا يُعيق.
أما الغضب فهو المحظور الأصعب.
أن لكِ حقاً يمكن أن يُنتهَك.
أن لكِ مكانة تستحق الاعتراض على محاولة دوسها.
المشاعر الأخرى تطلب التعاطف.
أما الغضب فيطلب الاعتراف بالحق.
ولكن ماذا لو لم يُمنَح لكِ هذا الحق أصلا؟
كيف ستُدركين أنه انتُهك؟
لم يطلب منك أحد ألَّا تغضبي.
لكنكِ في مرحلة ما من عمرك شاهدتِ ما يحدث للغاضبة.
الزوجة في الحي التي رفعت صوتها بعد أن ضاقت ذرعا. قالوا إنها "ما عندهاش أصل."
الابنة التي احتجّت على قرار العائلة، قالوا إنها "خرجات الطريق"
الموظفة التي طالبت بحقها عن طريق محكمة، قالوا "مولّْفة المحاكم."
الغاضبة لا تُصدَّق.
الغاضبة تُشخَّص.
الغاضبة تصبح التحذير الصامت:
"عنداكو تديرو بحالها."
ففهمتِ — منذ الطفولة — أن الغضب مكلف، وعوض أن تُعَلَّمي السيطرة عليه. تعلّمتِ ألا تُدركيه.
كل خطاب يحرس شيئًا ما.
حين تُترجمين الغضب إلى دمعة، يرى الآخر ضعفًا لا مطالبة بالإنصاف.
حين تُترجمينه إلى صمت، يرى موافقة، لا احتجاجًا.
حين تُترجمينه إلى هانية" قبل أن يسأل أحد، يستمر كل شيء كما هو.
الشركة التي تهضم حقوقك تحتاجكِ غير غاضبة.
الرجل الذي يكرر نفس الخطأ، يحتاجكِ غير غاضبة.
البيت السعيد، يحتاجكِ غير غاضبة.
الغضب المُترجَم لا يُصلح شيئاً. يُفرغ الضغط فقط، ثم يعود ليتراكم.
في بعض الأحيان يكون الصمت حكمة، والتعبير عن الغضب قد يُعقّد الأمور. هذا صحيح.
في سياقات كثيرة، الغضب الصريح خسارة أكثر من كونه مكسبًا.
وهذا الحساب قد يكون دقيقاً وواقعياً.
ولكن الفرق ليس بين من تُعبّر ومن لا تُعبّر.
الفرق بين من تختار الصمت كتكتيك،
ومن لا تُدرك أنها غاضبة في الأصل.
الأولى تمتلك أداةً وتستخدمها.
الثانية فقدت القدرة على الإدراك.
وحين تُظلَم الثانية، عوض أن تشعر بالغضب، تشعر بأنها المشكلة.
هناك شيء يجب قوله بصدق:
الغضب ليس مؤشر صحة في كل الأحوال.
أحياناً ما يُسمَّى غضباً هو حاجة للسيطرة.
أو جرح في الكبرياء.
أو توقع مبالغ فيه.
وهذا النص لا يدعو إلى تقديس الغضب،
يدعو إلى شيء يسبقه: القدرة على الإدراك.
لأن المرأة التي لا يصلها غضبها باسمه،
لا تستطيع أن تسأل: هل ما أشعر به عادل؟
لا تستطيع أن تُميّز بين مطالبها الصحيحة والخاطئة.
لا تستطيع أن تقوم بالحكم حتى.
الإدراك لا يُحرّر بالضرورة. لكن غيابه يجعل التحرر مستحيلاً.
الغضب الذي لا يجد اسمه لا يختفي.
يجد بابًا آخر، نحو الداخل.
يُصبح: "أنا لي فيا المشكل."
"أنا اللي خصني نتبدّل."
"ما عندي جهد باش نتخاصم."
ليس لأن الظلم خفيّ. بل لأن غضبها لا يصلها باسمه، فلا يُصدَّق. حتى من طرفها.
وهنا يتمّ الانتصار الصامت على مطالب لم يُبَحْ بها.
بعد قليل ستطوين هذا النص.
وفي لحظة ما خلال اليوم، ستشعرين بشيء.
المطلوب منك شيء واحد،
واحد فقط،
"لاحظي ماذا ستُسمّين هذا الشعور".
إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.
راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا