العجز
عندما يلبس العجز لباس اليأس
في 1967، أجرى عالم النفس مارتن سيليجمان تجربة لفهم ما يحدث حين يفشل الكائن مراراً في إيقاف الألم.
وضع كلاباً في صناديق،
وعرّضها لصدمات كهربائية.
لكن التجربة لم تكن نفسها بالنسبة للجميع.
مجموعة أولى: كان بإمكانها إيقاف الصدمة.
حركة بسيطة — فتتوقّف.
تعلّمت سريعاً:
المحاولة تُغيّر النتيجة.
مجموعة ثانية: لا وسيلة لديها لإيقاف الصدمة.
تفعل الشيء نفسه… ولا يتغيّر شيء.
مرّة. مرّتين. عشر مرّات.
النتيجة نفسها.
تعلّمت:
لا علاقة بين ما أفعل وما يحدث.
مجموعة ثالثة: لم تتعرّض لأي صدمة.
بعد ذلك، تغيّر المشهد تماماً.
صندوق جديد. حاجز منخفض.
الهروب ممكن هذه المرّة.
قفزة واحدة تكفي.
المجموعة الأولى قفزت.
الثالثة قفزت.
الثانية… بقيت.
لم تحاول.
لم تجرب.
بقيت تتلقّى الصدمة،
رغم أنّ الخروج أصبح ممكناً.
لم تكن عاجزة.
كانت قد تعلّمت شيئاً أدقّ:
أن لا جدوى من المحاولة.
تغيّر العالم.
الدرس لم يتغيّر.
الباب فُتح…
لكنّه لم يَعُد يُرى كمخرج.
وهنا سمّى سيليجمان هذا الفعل:
العجز المُتعلَّم.
أن تتوقّف عن المحاولة،
ليس لأنّ الخروج مستحيل، لكن لأنّك تعلّمت -بدقّة- أنّه مستحيل.
لا يأتي العجز كقرار، إنما يترسّب.
محاولة — لا نتيجة.
أخرى — لا نتيجة.
أقلّ.
أبطأ.
ثمّ سكون.
ليس لأنّكِ اخترتِ التوقّف.
بل لأنّكِ تعلّمتِ أنّ الاستمرار بلا أثر.
● الاستسلام كلمة.
● العجز… مسار.
طفلة تطلب — تُمنع.
تبكي — تُسكَت.
تسأل — يُغلق السؤال.
تحاول — لا يتغيّر شيء.
تعيد — لا يتغيّر شيء.
فيبدأ السطر الأوّل بالتشكل:
المحاولة لا تُغيّر شيئا.
ثمّ تتكرّر الحياة… بنفس البنية.
ترفض — يُفرض.
تطلب — يُؤجَّل.
تحتجّ — يُعاد ترتيبها.
ليست أحداثاً متفرّقة.
هي تدريب طويل الأمد على نتيجة واحدة.
في لحظة ما، القيود لم تعد خارجية
أصبحت ذاتية -من الداخل-.
تصبح لهذه القيود صوتا:
"ما عندي ما ندير."
"هكذا هي الحياة."
"هذا نصيبي."
نتحدث هنا عن ذاكرة تتلكم، وليس مجرد رأي أو فكرة.
ما كان يحدث لكِ من الخارج…
أصبح يحدث منكِ من الداخل.
ثم تأتي لحظة مختلفة، باب حقيقي هذه المرّة.
فرصة.
مساعدة.
خروج ممكن.
ولا يحدث شيء.
ليس لأنّكِ لا تريدين.
ولا لأنّكِ لا ترين الفرصة.
ولكن لأنّكِ ترين العالم… بنموذج قديم.
تعرفين — نظرياً — أنّ الباب مفتوح.
لكنّكِ تشعرين — فعلياً — أنّه مغلق.
كما شعرت الكلاب بالصندوق مغلقا رغم أنه كان مفتوحا.
قبل أي خطوة، تظهر جملة:
"ما غايصدقش."
"فات الوقت."
"سأفشل."
تبدو فكرة. لكنّها في الحقيقة… أثر.
كلّ محاولة فشلت : تركت سطراً.
السطور تراكمت : صارت قاعدة.
القاعدة ترسخت : صارت صوتاً.
وأنتِ الآن تسمعينه… وتسمّينه -يا للعجب- قرارا.
وربّما الآن،
يظهر اعتراض سريع:
"أنا اخترت."
"هذا المنشور لا يخصّني."
انتبهي.
لأن ما تعلّمتِه… يدافع عن نفسه.
الفرق الوحيد:
الكلاب لا تعرف.
لكن نحن نستطيع أن نعرف.
والمعرفة لا تُحرّر فوراً.
لكنّها تُربك اليقين.
تجعل الباب…
يبدو بابا مرة أخرى، لا جداراً.
هذا ما يسكننا بلا إذن منا، ليس ضعفاً.
لكنه درسٌ تكرّر…
حتى أصبح حقيقة.
إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.
راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا