رف صمت

الصديقة التي ابتعدت دون سبب واضح

لا خيانة، لا شجار — فقط صمت لا يمكن الشكوى منه.

لم يحدث شيء.
وهذا بالضبط ما يؤلم.

لو كانت هناك خيانة،
لعرفتِ ماذا تكرهين.
لو كان هناك شجارا،
لعرفتِ مايمكنك وما لايمكنك مسامحته.
لكن… لا شيء من هذا.

كل ما هنالك هو ردّ متأخر في البداية.
ثم أكثر تأخرا مع مرور الأيام.
ثم رسالة "إن شاء الله نتلاقاو عما قريب"
دون أن يأتي بعدها لقاء.
ثم… صمت لا يمكن الشكوى منه.
لأنه لم يبدأ بشيء يستحق الشكوى.

أولاًالموت الذي لا جنازة له

كل خسارة في الحياة — لها طقس.
الموت له عزاء، الطلاق له ورق ومحكمة.
الفراق له وداع.

أما هذه القطيعة… فلا طقس لها
لأن لا أحد يعترف بها أصلاً.

تستيقظين يوماً وتدركين أنها لم تعد جزءاً من حياتك،
دون أن تستطيعي تحديد متى رحلت بالضبط.
ولا يحقّ لك الحداد، لأنه، ظاهرياً، لم يحدث شيء.

ثانياًلماذا تنسحب… بدلاً من أن تقول؟

يقال إنها تخاف المواجهة.
هذا تفسير سطحي.
أما الحقيقة فأعمق وأقسى:
الانسحاب الصامت لا يحمي العلاقة.
يحمي صورتها عن نفسها.

إذا افترضنا أنها واجهتك،
لكان عليها والحال هذه، أن تعترف لنفسها بشيء لا تحبه:
أنها انزعجت.
أنها لم تعد تحتمل.
أنها "في زاوية ما" قاسية.

مواجهتها إياك، تعني التنازل عن الصورة التي ترسمها لذاتها:
أنا اللطيفة.
الطيبة.
الظريفة التي لا تجرح أحداً

الصمت يسمح لها أن تبقى "في عينيها"
الصديقة الجميلة التي "ابعدتها الظروف فقط".
دون أن يدخل غبار إلى المرآة التي تحدّق فيها، .

لذلك لا تختفي من حياتك لأنها ضعيفة.
بل لأنها تحمي شيئاً أهمّ من الصداقة:
وَهْمُ براءتها أمام ذاتها.

وأنتِ "حين انسحبتِ في إحدى المرات من علاقة ما"
فعلتِ تماماً الشيء نفسه.
دون أن تنتبهي.
(يكفيك فقط أن تراجعي لائحة علاقاتك السابقة وستعلمين أن الجميع يفعل نفس الشيء في مثل هذه الحالات)

ثالثاًالسؤال الخاطئ : "ماذا فعلتُ؟"

العقل لا يحتمل النهايات بلا أسباب.
فيخترع لها سبباً.
فتعودين إلى كل لقاء.
كل رسالة.
كل لحظة فرح.
كل لحظة لم تسأليها فيها كيف حالها.
تبحثين عن الجريمة.
وتجدين عشرين.
لكن…
لا واحدة منها هي الجواب.
لأن السؤال ذاته خاطئ.

أنتِ تفترضين أن العلاقات تنتهي بسبب واضح، كما تنتهي القضايا البوليسية.
لكن العلاقات ليست محكمة، لا تحتاج إلى دليل لتحكم بالإعدام.
أحياناً تنطفئ ببساطة.
كما ينطفئ ضوء غرفة لم يدخلها أحد منذ شهور.
لا أحد أطفأه.
الكهرباء فقط… لم تعد تصل.

والأقسى:
أن بحثك المرضي عن "السبب"
هو ذاته الجرح. لا علاقة لجرحك بغياب الإجابة.
لأنه يفترض شيئاً أعقد من القطيعة:
أن العالم مرتّب.
وأنك مسؤولة عن كل ما يحدث فيه.
وأنه "لو فعلتِ الصواب"
لما خسرتِ شيئاً.

هذا ليس ذكاء.
هذا قلق قديم يلبس ثوب التحليل.

رابعاًالمرأة الاخرى التي صنعتها هذه الخسارة

بعد قطيعة بلا تفسير،
لن تكوني أبدا كما كنتِ.
لكن هذا التحوّل لا يحدث بين عشية وضحاها.
إنما يحدث بعد ألف تفصيل صغير.

تبدئين بقراءة الرسالة قبل إرسالها مرتين.
ثم ثلاث.
تنتبهين كم استغرقت رسالتك من الوقت قبل أن تُقرأ.
تقرئين الرموز.
تحلّلين النبرة.
تخزّنين الإشارات.
تظنين أنك صرت أكثر حكمة.
ولكنّ ما يحدث شيء آخر:
صرتِ تعيشين علاقاتك من خلف زجاج.
تراقبين بدل أن تكوني.
تحسبين بدل أن تثقي.
تتوقعين الانسحاب…
حتى قبل أن يفكّر فيه أحد.

والمأساة:
أن من تتحكم بكل تفصيل
لا تترك مكاناً لعلاقة حقيقية أن تحدث.
لأن العلاقات الحقيقية تتطلّب فوضى.
تتطلّب أن تكوني غير محسوبة أحياناً.
أنتِ تظنين أن السيطرة حماية.
وهي، في الحقيقة، سجن.

تكرّرين الجرح من حيث لا تدرين:
لا أحد يستطيع الاقتراب من امرأة
تحسب كل خطوة قبل أن تخطوها.

خامساًربما لم تفعلي شيئاً

هذه الفرضية أصعب من الجريمة.
أن تكوني بريئة تماماً
وأن تخسريها رغم ذلك.
أن يكون الأمر متعلقاً بها هي:
بمرحلتها.
بزواجها.
بأمومتها.
بنجاحها، أو بفشلها في مشروع ما.
بحسد لم تعترف به لنفسها.
بمقارنة لم تنتبه أنها تعقدها.

أن تكوني قد كبرتِ على شيء فيها.
أو أن تكون هي قد كبرت على شيء فيك.
لا ذنب.
لا خطأ.
فقط… حياتان لم تعودا تتسعان لبعضهما.

وهذا أقسى من الخيانة.
لأن الخيانة على الأقل تُعطيك عدوّاً.
أما هذا، فلا يعطيك حتى أحداً تلومينه.

سادساًالتحوّل إلى "كنّا"

من صديقات مقرّبات إلى… كنا صديقات.
كلمة "كنّا" هذه، قاسية للغاية.
لأنها لا تعترف بما حدث، ولا تنفيه.
تتركك في منطقة رمادية:
شخص مرّ في حياتك مروراً عميقاً،
ولم يبقَ منه شيء.
لا صديقة.
لا عدوّة.
لا غريبة.
شيء بلا اسم.

ولأنه بلا اسم، فهو لا يموت في ذاكرتك أبداً.

ختاماهي لن تعود. وأنت لن تعودي.

ليس لأن إحداكما قاسية.
ولا لأنكما "لم تتعلّما الصدق مع بعضكما".
ولكن لأن الحقيقة التي ستكتشفانها،
إذا واجهتما بعضكما، ستكون أصعب من الفراق نفسه:

أن صداقتكما كانت جميلة طيلة ذاك الوقت
لأنها كانت تتجنّب "بذكاء صامت" هذا النوع من الكلام بالضبط.
كانت علاقة دافئة، نعم.
لطيفة. نعم .
عميقة في ظاهرها.
لكنها كانت مبنية على اتفاق صامت:
ألّا نقول الأشياء التي تجرح. ألّا نضع بعضنا في موقف غير مريح.
ألّا نمتحن الأرضية التي نقف عليها.
وعندما بدأت العلاقة تتطلّب صدقاً حقيقياً،
انكشف ما لم تكونا تريدان رؤيته:
أنها لم تكن مصمَّمة لتتحمّله.

الصدق الذي كان يمكن أن يُنقذها، هو ذاته الذي كان سيكشف هشاشتها.
لذلك ماتت بهذا الشكل بالضبط.
لا بضربة.
فقط بسكوت.
لأن الكلام "لو حدث"
كان سيقول لكما شيئاً لم تكونا مستعدّتين لسماعه:
أن ما جمعكما لم يكن من النوع
الذي يحتمل أن يُسمّى.

وهذا ما يسكننا بلا إذن منا

إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.

راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا

رسالة كلّ جمعة — الثانية صباحاً

ليست نشرة أخبار. نصٌّ واحد في الأسبوع — يصلكِ حين يكون النوم بعيداً.