رف سمعة

السمعة

تلك المحكمة التي لايمكنك عزلها

تظنين أنكِ تخافين من كلامهم.
لا.
أنتِ ببساطة لا تعرفين كيف تكونين أنت دون نظرتهم.

الكذبة الجميلة

"أنا لا أهتم بما يقولون."
قلتِها.
كذبتِ.
ليس عن سوء نية، لكن الجملة مستحيلة.
كيف لا تهتمين بما يقولون،
وأنتِ تعلّمتِ أن تكوني "أنتِ" من خلال ما يقولون؟
لأن السمعة لغة لا تملكين حق اختيارها
اللغة لا تُختار. تُكتسب قبل أن تعرفي معنى لوجودك.
حين تتعلمين كلمة "بنت"، يأتي معها قاموس كامل:
ما تفعله،
ما لا تفعله،
ما يُقال عنها،
ما يُسكت عنه.
السمعة لا تُغرس بالموعظة.
تُغرس بكونها لا تُقدَّم كاختيار.
إنما كالهواء، تستنشقينه، آلاف المرات دون أن تنتبهي حتى...
عملية ميكانيكية محظة.
"بنت ناس."
"بنت مربية"
"البنت المحترمة."
هذه الكلمات تبدو وكأنها أوصاف، لكنها في الحقيقة أوامر خفية معناها:
هكذا يجب أن تكوني، كي يكون لكِ مكان بيننا.

أولًاالعين ليست خرافة

"العين حق" ربما لم تأحذي أمك على محمل الجد عندما كانت تردد هذه الجملة.
لكن "العين" التي كانت تقصد، لم تكن فقط تلك المتعلقة بالحسد والسحر.
إنما كانت الاسم القديم لشيء أخطر:
أن وجودكِ مرئي قبل أن يكون لكِ.
تأكلين فتنظرين حولكِ.
تتكلمين فتظبطين حجم الصوت،
تضحكين فتُسكتين نفسكِ كي لا يسمعك الناس.
تشترين لِباسًا فترتبكين قبل أن تخرجي به إلى الشارع.
ليست عين أحدهم.
بل عين أصبحت مع الوقت بداخلكِ.
عين لا تُغمض حتى وأنتِ وحدكِ في الغرفة.

ثانياالمحكمة التي بصوتكِ

الرقيب لا يقف خارج الباب.
يجلس داخل عقلك.
ويحمل ملامح أمكِ، عمتكِ، جارتك، أو حتى زميلتكِ.
لا تستطيعين طرده.
يتكلم بصوتكِ.
كل قرار تأخذينه يمر عبر سؤال صامت:
"شنو غيقولوا؟"
ثم تظنين أن الإجابة منكِ.

ثالثاالتحرر الذي ليس تحررا:

تتركين الحجاب — أو ترتدينه على طريقتكِ.
تتطلقين. تسافرين. تختارين.
ثم تكتشفين،
أن لكِ محكمة جديدة.
محكمة الصديقات "الواعيات".
محكمة من ينتظرن منكِ "ألا تكوني تقليدية".
محكمة "المرأة الحرة" التي يجب أن تكونيها بشكل صحيح.
السمعة لا تنتزع.
القاضي فقط من يتغير فقط.

ما يجعل المسألة أعمق، هو أن رفضكِ للسمعة، -حتى هو- تفعلينه أمام أحد ما.
حتى تمردكِ، له جمهور.

المأزق:

إذا لم تكن السمعة خوفاً تواجهينه،
بل اللغة التي تُعَرِّفين بها نفسكِ،
فماذا يبقى منكِ إن نزعتِها؟

أدعوك للجلوس وحيدة خمس دقائق.
لا هاتف.
لا أحد.
فقط أنت وذاتك وجها لوجه واسألي.
من أنا الآن؟
ولاحظي:
حتى وأنتِ وحدكِ، تتخيلين أحداً يراكِ.
حتى الفراغ له شاهد.

في النهاية

أصعب لحظة في حياة المرأة
ليست لحظة الفضيحة.
بل لحظة الهدوء.
حين لا ينظر إليها أحد،
وتكتشف أن "هي" التي تعرفها
لا تعمل إلا تحت النظر.
ربما الآن خطر ببالكِ:
"أنا لستُ هكذا."
لاحظي:
لمن قلتِها؟
ولاحظي أكثر:
أن إجابتكِ على هذا السؤال
ستمر، هي أيضاً، عبر محكمة.

هذا ما يسكننا بلا إذن منا

إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.

راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا

رسالة كلّ جمعة — الثانية صباحاً

ليست نشرة أخبار. نصٌّ واحد في الأسبوع — يصلكِ حين يكون النوم بعيداً.