رف حب

القلق كحب

أو عندما تعيشين داخل تعريفٍ للحب لم يمنحكِ أحد فرصة اختياره.

تعيشين داخل تعريفٍ للحب لم يمنحكِ أحد فرصة اختياره.
تعريف يجعل المراقبة تبدو كأنها رعاية،
والتدخّل يبدو كأنه حضور،
والخوف عليكِ يبدو أعمق دليل على الاهتمام ودليل على أنكِ محبوبة.
المشكل هنا ليس في تصديق هذا التعريف، وإنما في رؤيته على أنه الواقع.

أولًاالقلق أنواع

يكون القلق في بعض الأحيان وجها من وجوه الحب، وليس نقيضا له:
● قلق يحبّكِ ويحميكِ، لأنه يفترض أنكِ بريئة، وأن العالم خطير.
● قلق يراقبكِ ويحاسبكِ، لأنه يفترض أنكِ مذنبة، وأن العالم شاهد على ذنبك.
الأول يطمئنّ حين تعودين.
الثاني يستجوبكِ حين تعودين.
الفرق ليس في كمّ وكيفية القلق، بل في ما يفترضه عنكِ.
وما تربّيتِ عليه — في الغالب — هو الثاني، لكنه مغلَّف باسم الأول.

ثانياالفرق التشغيلي

قلقُ الحب لا يكتفي بأن لا يصيبكِ سوء، بل يريد أيضاً أن تعيشي وتخوضي ما يستحق أن يُعاش.
أمّا قلقُ المراقبة، فيكفيه فقط أن لا يحدث لكِ شيء.
الأول يريد أن تعودي سالمة وراضية.
الثاني يريد أن تعودي فقط.
الأول يسأل: كيف كنتِ — بعد أن يطمئنّ على عودتكِ.
الثاني يسأل: أين كنتِ — ثم يتوقّف عند الإجابة.
الفرق ليس في الكلمات، بل فيما يأتي بعدها، وفيما يفترضه السائل.

ثالثاكيف صار قلق المراقبة هو القاموس

في كثير من العائلات، تتعلم البنت أنها مراقَبة، عوض أن تتعلم أنها محبوبة لتفهم لاحقا أن هذه المراقبة هي المحبة في حد ذاتها.

الأم لا تنام قبل عودتك من عرس صديقتك (مثلا).
"كنّا قلقين عليكِ"، قالها والدك مرات عدة.
الأخ يسأل عن صديقاتكِ، عن طريق العودة، عن الساعة.
"خايفين عليكِ حيث كايبغيوك."
الجملة لا تُقال مرة. تُقال آلاف المرات. حتى تصبح ميلاً قبل أن تكون فكرة.
ولأن لا أحد سمّى ما يحدث باسمه الحقيقي، صرتِ تسمّين كل قلق باسم الحب.
ليس لأنكِ خُدعتِ.
لأن لا أحد علمك اسماً آخر.

رابعالماذا يصل القلق إليكِ مغلَّفا بالحب

في الأم التي لا تنام، ثلاث طبقات يصعب فصلها:
● حبّ حقيقي.
● خوف وجودي من الفقد.
● رقابة اجتماعية على ابنة قد تحاسبها على ما تفعله.
كلّها صادقة. كلّها متشابكة. وكلّها تصل إليكِ معاً، تحت اسم واحد 'الحب الحقيقي'.
لو وصل الحب وحده، لشعرتِ به.
لو وصل الخوف وحده، لتعاطفتِ معه.
لو وصلت الرقابة وحدها، لقمت برفضها.
لكن الأحاسيس الثلاثة تصل دفعة واحدة، فلا تستطيعين أن ترفضي شيئاً منها دون أن تشعري أنكِ ترفضين الحب نفسه.

وهنا يبدأ الفخّ: ليس في القلق، بل في تغليفه.

##:: خامسا:: حضور هادئ، أم غياب مقنَّع

فرضا أنك التقيت برجل يحبك، يثق بك، لا يتفقّد هاتفكِ كل ساعة. لا يسأل مع من كنتِ.
أول سؤال يجب أن تطرحيه على نفسكِ: هل هذا حضور هادئ، أم غياب مُقنَّع؟

الفرق دقيق لكنه حاسم.
الحضور الهادئ يثق، فيحضر بطرق أخرى. يهتمّ بنهاركِ، يعرف ما يُتعبكِ، يُلاحظ حين تتغيّرين.
أما الغياب المقنّع فهو لا يسأل لأنه ببساطة لا يهتمّ، ليس لأنه يثق بك، بل لأنه بعيد عنك.
المشكلة أنكِ، حين تقومين بتعريف القلق بوصفه دليل على الحب، تصبح لك زاوية رؤية واحدة، فلا تستطيعين التميّيز بين النوعين.
فإن كان رجلا يثق بكِ، تظنّينه بارداً.
وإن كان رجلاً لا يبالي، تظنّينه ناضجاً.
الذاكرة المُلوَّثة بقلق المراقبة لا تعرف أن تقرأ الفرق.

سادسالماذا يصعب التخلّي عن هذا التعريف

قلق المراقبة يحبسكِ، نعم.
لكنه يمنحكِ شيئاً لا يمنحه الحضور الهادئ بسهولة:
الشعور بأنكِ مهمّة.
أن لا ينام شخص ما إلى أن تعودي، يعني أنكِ لستِ هامشية في حياته.
أن يسأل شخص ما،
يتفقّد، يتدخّل،
يعني أنكِ موجودة بقوة في وعيه.
أما الحضور الهادئ، فيمنحكِ حرية لا تعرفين ماذا تفعلين بها.
ويأخذ منكِ شعوراً اعتدتِ أن تستمدّي منه قيمتكِ:
أنكِ مرئية لأنكِ مراقَبة.
الخروج من هذا النظام ليس خروجاً من شيء واحد، هو خروج من طريقة كاملة كنتِ تستمدّين منها إحساسكِ بأنكِ مهمة في نظر أحد ما.

سابعاما تطلبينه أنتِ

البنت التي اشتكت طوال شبابها من قلق أمها، تتزوّج وتطلب من زوجها أن يقلق.
تتأخّر عمداً، لترى إن كان سيتّصل.
تترك هاتفها مكشوفاً، لترى إن كان سيراقبه.
تذكر اسم رجل عابر، لترى إن كانت غيرته ستظهر.
ثم، حين يقلق، تشتكي من قلقه.
ليست متناقضة. هي تطلب الشكل الذي تعرفه، لتطمئنّ أنه يحبّها، ثم تكتشف أن هذا الشكل كان يضايقها من البداية.
لكنها لا تعرف شكلاً آخر يُقنعها بأنها محبوبة.

ثامناالفخّ الذي لا يُرى

ربّما تفكّرين الآن: "إذن، عليّ أن أتحرّر من القلق."
انتبهي.
هذه الجملة نفسها قد تكون شكلاً آخر منه.
قلق على أن لا تعيشي ما عاشته أمّكِ.
قلق على أن لا تنخدعي.
قلق على أن تختاري الحبّ "الصحيح" هذه المرة.

الخروج من قلق المراقبة ليس قرارا تتّخذينه مرة واحدة.

هو عمل يومي على تمييز ما يأتي إليكِ من الخارج.
في كل مرة يصلكِ شيء باسم الحب، تسألين: ما الذي يفترضه عنّي هذا الذي يحبّني؟
بريئة، أم متّهمة؟
ولن تجدي الإجابة دائماً. وستخطئين كثيراً.
لكن السؤال نفسه، هو الذي يبدأ بنقلكِ، ببطء، من داخل النظام إلى خارجه.

ختاماأنت لا تخافين من الحبّ الهادئ، ما يخيفكِ حقا هو احتمال أن تكوني، حين يهدأ كل شيء حولكِ، غير قادرة على الإحساس بقيمتكِ.

أن تكتشفي أنكِ كنتِ تحتاجين أن يخافوا عليكِ لتشعري بوجودك.
وأن الحبّ — حين يأتي بلا قلق يراقب، يضعكِ أمام مرآة لم تتعوّدي أن تنظري إليها.

ربّما حتى وأنتِ تقرئين هذا، يبحث جزء منكِ عن جملة تُطمئنه.
عن أحد يقول: "خايف عليكِ"، كي يعود الميزان إلى ما تعرفينه،
- لن أقولها -
## :: هذا ما يسكننا بلا إذن منا.

إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.

راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا

رسالة كلّ جمعة — الثانية صباحاً

ليست نشرة أخبار. نصٌّ واحد في الأسبوع — يصلكِ حين يكون النوم بعيداً.