الغيرة
حين يصبح الحبّ مكاناً تعيشين داخله
لا نشعر بالغيرة لأن هناك طرفاً ثالثاً قد طفا على السطح.
يكتسحنا هذا الإحساس المزعج عندما يستمر الشخص في حبّه لنا… لكن بدرجة أقلّ مما اعتدنا عليه.
لأننا -في الحقيقة- لا نخاف أن نختفي من حياة هذا الشخص. ما نخافه فعليا هو أن نتحوّل من المركز إلى الهامش في حياته.
في اللحظة التي يصبح فيها حبّ شخص ما… جزءاً من الطريقة التي ترين بها نفسكِ.
حين لا يبقى حضوره مجرّد علاقة.
إنما مرآة تستندين إليها كي تشعري
أنكِ مرغوبة.
مرئية.
مختلفة.
ومُختارة.
فقدان الحبّ لا يشبه بتاتاً فقدان الأشياء الأخرى. لأنّ بعض الناس لا يخسرون شخصاً فقط، بل يخسرون النسخة التي كانوا يُعَرِّفُون أنفسهم من خلالها.
أحياناً تكون خوفاً على مكان داخلي.
مكان يقول:
"أنا مهمّة هنا."
"أنا أسبق غيري هنا."
"هناك شخص يرى في شخصيتي شيئاً لا يراه في الآخرين."
لهذا قد تبدو الغيرة، في بعض لحظاتها، غير مرتبطة بالشخص نفسه، بقدر ارتباطها بالموقع الذي يمنحكِ إيّاه داخل عالمه.
المشكلة أنّ هذا الموقع غير مضمون.
وهذا ما يستدعي مراقبةً مستمرة.
من السهل أن نقول: "أخاف أن يخونني."
لكنّ بعض الغيرة لا تخاف الخيانة تحديداً.
تخاف شيئاً أكثر هدوءاً،
وأكثر قسوة: أن تكتشفي أنَّ بإمكان الآخر أن يشعر بالدفء نفسه مع شخص آخر، أو ربما مع نفسه فقط.
أن لا تكوني استثناءً كما ظننتِ.
وهذا ما يجعل الغيرة عنيفةً إلى هذا الحدّ.
لأنها لا تجعلك في مواجهة احتمال الفقد فقط،
إنما توجه ضربةً موجعة لفكرة التفرّد والتميّز في حدّ ذاتها.
بعضها رغبة في أن تبقي ثابتةً داخل وعي أحدهم. وأن لا تتحركي إلى الخلف.
أن لا تصبحي اعتيادًا.
أن لا يأخذكِ الزمن من مركز المشهد — بهدوء — إلى حاشيته.
لهذا قد تؤلمكِ أشياء صغيرة جداً.
تغيّر النبرة.
حماس أقل.
أو حتى انتباه موزّع على أكثر من جهة.
ليس لأنّ هذه الأشياء خطيرة دائماً، بل لأنّ النفس تقرأ فيها احتمالاً قديماً:
أن تبدئي بالاختفاء تدريجياً دون لحظة واضحة يمكن الاحتجاج عليها.
لأنّها تجعل الحبّ "مشروع" مراقبة.
كلّ تفصيل يصبح قابلاً للتأويل.
كلّ صمت يحتمل معنى.
كلّ اختلاف بسيط قد يبدو بداية انسحاب.
بهذا الشكل، لا يستطيع الشخص الاستمتاع بعيش العلاقة فقط، ولكنه يراقب حرارتها باستمرار، كمن يضع يده كلّ دقيقة على قلبٍ يخاف أن يتوقّف نبضه.
نغار لأنّنا بنينا أجزاءً كاملةً من "إحساسنا بالقيمة" داخل هذا الحبّ.
هنا تصبح الغيرة مرعبة.
لأنّها لا تسأل: هل سأخسر هذا الشخص؟
هي تسأل: من سأكون إذا لم أكن ذلك الإنسان المفضّل في عيني هذا الشخص؟
تحاول الغيرة حماية الحبّ من الفقد. هذا صحيح.
لكنّها — أحياناً — تحوّل الحبّ نفسه إلى مكان لا يوفّر الراحة إطلاقا.
ذلك أنّ الإنسان لا يستطيع، في الوقت ذاته، أن يشعر بالأمان الكامل وأن يبقى في حالة تفتيش ومراقبة دائمتين.
لهذا السبب يبدو بعض المحبّين متعَبين.
لا لأنّهم غير محبوبين بنفس القدر، ولكن لأنّ جزءاً منهم لا يتوقّف عن الاستعداد للَّحظَة التي قد يصبح فيها "هو نفسه" عادياً.
المؤلم في الغيرة ليس فكرة أن يرحل الآخر عنكِ.
ما يؤلمكِ أحياناً أكثر غرابةً من ذلك:
أن يظلّ موجوداً… لكن دون أن تكوني مركز حضوره كما كنتِ سابقا.
أن تكتشفي أنّ مكانكِ في قلب شخص ما ليس ثابتاً كما بدا دائمًا.
أنّ الإنسان قد ينتقل، ببطء شديد، من كونه ضرورةً… إلى كونه جزءاً مألوفاً من المشهد.
هذا تحديداً ما يجعل بعض الغيرة حزناً مقنَّعا أكثر منها غضبا.
إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.
راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا