الجسد بعد الثلاثين: - حداد بلا إسم -
لا يسألك الجسد بعد الثلاثين عن الجمال، يسألك عمّا تبقى منك
لا يبدأ بتجعيدة.
لا يبدأ بشعرة بيضاء.
يبدأ بلحظة صغيرة جداً،
حين تتأخرين أمام المرآة ثانية واحدة أكثر مما اعتدت.
ثم تغمضين عينيك، وتعرفين، دون أن تقولي،
أن شيئاً ما… بدأ يغادر.
أول علامة لا تظهر على وجهك،
تظهر في عينيك حين تنظرين إليه.
تبدئين بتجنّب أشياء صغيرة لا يلاحظها أحد:
ضوء النهار في زاوية معينة.
صور كاميرا الهاتف الأمامية.
مرآة المصعد القاسية.
صور قديمة عمرها خمس سنوات.
لا أحد يرى هذا الهروب،
أنت وحدك تعرفين ممّا تهربين.
أنت تهربين من لحظة المواجهة وليس من التجاعيد.
حين يموت قريب، تتلقين التعزية.
حين تخسرين عملاً، يُسمح لك بالحزن.
حين يتغيّر وجهك… ماذا تفعلين؟
لا أنت ولا أحد يعترف بأن هذا حداد.
الجميع يخبرك:
"ما زلتِ جميلة."
"الحمد لله على الصحة."
"الجمال من الداخل."
كل هذه الجمل لطيفة.
لكنها تُخرس الحزن دون أن تشفيه.
لأنها تفترض شيئاً صامتاً وقاسياً:
"لا يحقّ لك الحزن أصلاً".
إن تركتِ ملامحك على طبيعتها: "لقد أهملت نفسها."
وإن قاومتِ التغيّر: "تحاول أن تبدو أصغر."
لا يوجد مكان آمن.
الشيخوخة لا تُسامَح،
ومحاولة تأجيلها… لا تُسامَح أيضاً.
لذلك تتعلّمين "بصمت فطري" أن تختاري الأقلّ أذى.
لا أن تختاري ما تريدين.
السؤال الذي يأتي متأخراً جداً:
هل كان هذا الوجه لي يوماً؟
أم استعرته من نظرة الآخرين؟
في العشرين، لم تكوني تلاحظين جمالك.
كنت تعيشين به، كنت تنسينه أحياناً.
اما الآن "حين بدأ يتغيّر" صار حاضراً معك في كل ساعة.
وكأنه لم يكن لك حقاً… إلا حين بدأت تفقدينه.
لم يرفضك أحد، لم يقل لك أحد إنك تغيّرت.
لكن… نظرات الشارع تخفت.
الالتفاتة في القاعة تختفي.
الحديث حولك يقصر بثانيتين.
أنت لم تتراجعي.
العالم فقط… توقّف عن الاهتمام.
وهذا أصعب أنواع الرفض:
الرفض الذي لا يأتي بكلمات.
الذي لا تستطيعين أن تشتكي منه، أو تشرحيه
لأنه لم يحدث بشكل يمكن تسميته.
في صباح ما، سترين ملامح أمك في مرآتك.
ليس لأنك صرت مثلها،
بل لأنك بدأت تفهمين صمتها.
لماذا كانت تتأخر أمام المرآة.
لماذا لم تكن تُحب الصور.
لماذا كانت تقول "بلاش" حين تقتربين بكاميرا.
هي لم تكن تتدلّل.
هي كانت تحمل حداداً لم يعترف به أحد.
وأنت الآن…
ترثين منها هذا الحداد بالضبط.
دون أن يقول لك أحد كيف تحملينه.
الجمال "حين مُنح لك"
هل كان هدية؟
أم كان حكماً مؤجّلاً؟
الهدية تبقى.
الحكم ينتهي.
وحين ينتهي… يكتشف صاحبه أنه لم يكن يملكه أصلاً.
كان فقط… مستعاراً.
ومن استعار شيئا "مهما طال الوقت"
يأتي يوم وعليه أن يردّ.
الجسد بعد الثلاثين لا يعلّمك "أن تشيخي بكرامة".
من اخترع هذه العبارة لم يفهم شيئاً.
الجسد بعد الثلاثين، يكشف لك شيئاً أعمق:
أن كل ما عرفته عن نفسك حتى الآن
كان مرتبطاً — دون أن تنتبهي — بصورة.
والآن، حين تتغيّر الصورة…
ماذا يبقى منكِ؟
هذه ليست أزمة جمال. هذه أزمة هوية.
ولن يعترف لك بها أحد.
إلا أنتِ.
إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.
راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا