رف انشغال

الفراغ: الوجه الآخر

عندما تتحرك اليد نحو الهاتف قبل أن تقرري أنت ذلك

في الثانية الفاصلة بين مهمتين، تتحرك اليد.
نحو الهاتف.
نحو التلفاز.
نحو خصلة شعر.
نحو أي شيء يسد الفراغ قبل أن تنتبهي إليه.

لا يحدث هذا الأمر بقرار واضح منك.
كأن الجسد تعلّم، -كلما تقدمت في العمر - ألا يترك المسافة مفتوحة أكثر مما ينبغي.

ما نسميه فراغًا

نستخدم الكلمة كأن معناها واضح.
لكن الفراغ هنا ليس الوحدة.
قد تكونين محاطة بالناس، ورغم ذلك تجدينه يتسرب إليك.
وليس الصمت.
قد يبقى التلفاز مشتعلاً طوال الليل، إلا ان الفراغ يأبى إلا ان يمر من خلالك.
وليس كسلاً.
فأكثر الناس حركية مرُّوا بهذا الإحساس

ربما هو شيء أبسط، وأصعب:

لحظة لا يوجد فيها ما يشغل انتباهك بالكامل،
فتجدين أنك اقتربت من نفسك أكثر مما تعوّدت.

لهذا السبب قد يبدو الانشغال مريحاً.
ليس لأنه ممتع ولكن لأنه يمنح العقل شيئاً يلتف حوله.

تعلّم الحركة مبكرا

في بيوت كثيرة، لا تُمدح الراحة.
الطفلة التي تبقى جالسة دون فعل شيء
يُطلب منها سريعاً:
"ديري شي حاجة."
"عاوني."
"ما تبقايش غير جالسة."
لا أحد يقصد منعها من التفكير او من الراحة.
لكن الرسالة التي تتكرر، بهدوء، تجعل القيمة مرتبطة بالفعل المستمر.
مع السنوات، يصبح التوقف غريباً.
ليس مؤلماً، هو فقط غير مألوف.
فتتحرك اليد أحياناً قبل أن يتشكّل القرار بتحريكها.

لماذا يمنحنا الانشغال شعوراً بالوجود؟

لأن الإنسان غالبا ما يرى أثره فيما يفعله.
اليوم المليء بالحركة يبدو يوماً "مُستغلا بشكل جيد".
أما الوقت الذي يمر بلا إنجاز واضح،
فيترك شعوراً غامضاً بأنه خُصِمَ من العُمر دون أثر.
وعليه، لا يمكننا القول دائما بان الانشغال هو عبارة عن هروب.

أحيانا يكون عبارة عن محاولة صادقة للشعور بالحياة،
بالإنجاز.
بالجدوى.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الامتلاء الخارجي بديلاً دائماً عن المساحة الداخلية.
حين لا يعرف الإنسان كيف يبقى مع نفسه دون وسيط.

أيام تمر دون استقرار.

تستيقظين، تعملين. تردّين على الرسائل، ترتّبين. تنامين.
وقد يكون اليوم جيداً.
ليس تعيساً، ولا فارغاً بالمعنى المباشر.
لكن في بعض اللحظات، تنظرين خلفك وتسألين:
هل عشت هذا اليوم حقا؟
أم فقط انتقلت عبره من الماضي الى الحاضر؟

ليس لأن كل يوم يجب أن يكون استثنائياً.

بل لأن التكرار المستمر يجعل الوقت يمر بسرعة لا تترك أثراً في الذاكرة.
تمر الأيام كأنها استُهلكت، أكثر مما عيشت.

المفارقة

نعتقد أننا نهرب من الفراغ بالانشغال المستمر.
لكن ما يحدث أعقد من ذلك.
ساعة طويلة على الهاتف قد تترك شعوراً
بأن الوقت اختفى دون أن يضيف شيئاً.
ومكالمة طويلة قد تنتهي بإحساس غريب
يخبرك أنك لم تقولي ما كنت تريدين قوله.
لأن الامتلاء السريع لا يترك أثراً عميقاً بالضرورة،
حتى وإن كانت هذه الأشياء ذات قيمة،

هكذا، يتحوّل الهروب المتواصل من الإحساس بالفراغ إلى طريقة لإبقائه قائماً في الخلفية.

ما يخيف في التوقف:

نحن لا ننشغل لتفادي أسئلة الذات الكبرى.
ولا خوفا من أسرار مرعبة عن النفس كما تتخيّل النصوص الدرامية.
ما يخيف الإنسان أحيانا هو أبسط من ذلك:
أن يجلس وحده، ثم يكتشف أنه لا يعرف كيف يقضي الوقت دون تشتيت.
أن يكون الصمت ثقيلاً لأنه غير معتاد، لا لأنه يكشف عن كارثة خفية.
وهذا لا يعني أن الذات غير موجودة،
بل ربما يعني أن علاقتنا بأنفسنا صارت أضعف،
وسط هذا التدفق الدائم للأشياء.

أخيراً

وأنت تقرئين الآن،
قد تتحرك يدك نحو شيء آخر بشكل تلقائي.

ليس لأنك سطحية،
وليس لأن كل حركة هي هروب عميق من الذات.
كل ما في الأمر أن العقل تعلّم، مع مرور الزمن، أن يبقى مشغولاً أغلب الاوقات.

والبداية ربما ليست في منع نفسك بالقوة من الانشغال.
ولا أن تحوّلي كل لحظة صمت إلى تأمل فلسفي ثقيل.
ربما البداية أبسط:
أن تلاحظي فقط كم أصبح من الصعب أن تبقى في اللحظة الواحدة
دون حاجة فورية إلى ملئها.
فليس كل فراغ عدوا.

المساحة التي نحاول الهرب منها باستمرار،
هي نفسها المساحة التي كان يمكن أن نسمع فيها أنفسنا بوضوح أكبر.

هذا ما يسكننا بلا إذن منا

إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.

راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا

رسالة كلّ جمعة — الثانية صباحاً

ليست نشرة أخبار. نصٌّ واحد في الأسبوع — يصلكِ حين يكون النوم بعيداً.