رف انتظار

الانتظار كإقامة

حين يصير التأجيل عنواناً

تقولين: "أنا أنتظر."
كأنه شيء تفعلينه.
دقّقي في هذا الأمر: ستجدين أنّ الانتظار هو من يفعلك، لا العكس.

أولاًما هو الانتظار

الانتظار له ثلاث علامات:
● أن يكون "المُنتظَر" خارج يدكِ.
● أن يكون هناك فعل ممكن، لكنكِ قمت بتعليقه.
● أن يُقال لكِ إنّ الانتظار هو الصواب.

حين تجتمع هذه العلامات — يتحوّل الانتظار من كونه إطارا زمنيا ليصبح هويةً يُعرَّف بها الإنسان.

الإنتظار هوية أم قرار

● الانتظار كقرار: يُعاد فيه السؤال يومياً:
"هل أكمل، أم أتوقف؟"
● الانتظار كهوية: يختفي فيه السؤال نفسه.

امرأة تنتظر ترسيمها في الوظيفة منذ سبع سنوات.
في السنة الأولى كانت تسأل نفسها كلّ صباح: هل أستقيل هذا الشهر أم أنتظر؟
في السنة السابعة، لم يعد السؤال يُطرح.
لأن البقاء في غرفة الانتظار صار طبيعة الأشياء.

ثانياًمن يربح حين تنتظرين؟

السؤال المحرج: الانتظار مفيد لمن؟

ليس لكِ — هذا واضح. لكن لمن إذن؟
الانتظار مفيد لكلّ علاقة تحتاج أن تُؤجَّل المساءلة والحكم فيها.
مفيد لكلّ بنية تستفيد من شخص لا يطالب "الآن".

المؤسسة التي توظّفكِ بعقود متجدّدة منذ خمس سنوات تحتاجكِ منتظِرة.
الزوج الذي تكرّرت منه الأخطاء يحتاجكِ منتظِرة إلى أن "يدير عقلو".
العائلة التي ترفض الشاب الذي تحبّينه تحتاجكِ منتظِرة "اللي مكتوب راه ليكِ".
في كلّ هذه المواقع، أنتِ مفيدة بانتظاركِ، بصمتكِ.

الانتظار إذن ليس مزاجاً تختارينه. هو حاجة يُنتجها من حولكِ — ثم يُعاد تقديمها لكِ كأنها فضيلة.

ثالثاًلماذا يدخل هذا الخطاب الى النفس دون مقاومة؟

السؤال السهل: كيف يدخل؟ الجواب السهل: بالتكرار.
السؤال الأعمق: لماذا لا يُقاوَم أصلاً؟

لأنه لا يُقدَّم لكِ كاختيار. لا أحد يقول لك: "اختاري بين أن تنتظري وأن لا تنتظري."
الانتظار يصلكِ كأنه طبيعة الأشياء.

تذكّري الجلسات النسائية في البيت حين كنتِ صغيرة.
الجدّة تقول لخالتكِ التي تأخّر زواجها: "صبري ابنتي، اللي قسم الله ما يفوتكش."
الأم تقول للجارة المتعَبة من زوجها: "صبري، دابا ديري الأولاد ويتبدّل."
كنتِ تتنفّسين هذه العبارات قبل أن تفهميها.

ثم يأتي اليوم — وتجدين نفسكِ تنتظرين دون أن يطلب منكِ أحد ذلك.
وتسمّينه:
حكمة.
نضجاً.
اختياراً.

مع أنكِ لا تتذكرين لحظة اخترتِ فيها ذلك.

رابعاًهل الانتظار شرٌّ مطلق؟

يجب الإنصاف. هناك انتظار يُنضِج: المرأة التي تنتظر إنهاء دراستها قبل الزواج لا تنتظر — تبني. وهناك انتظار يمنح المعنى: الأمّ التي تنتظر اتصال ابنتها المهاجرة كلّ جمعة، تعيش الأسبوع كاملاً من أجل تلك المكالمة.

وهنا المفارقة: الخطر ليس في الانتظار، الخطر أن تتوقفي عن الانتظار، فلا يبقى ما تنتظرينه — ولا ما تعيشين له.

المشكلة أنّ الحدّ بين انتظار يُنضِج وانتظار يستهلك لا يُرسم من داخلكِ. يُرسم بمعايير خارجية لم تكتبيها، بصبر لم يختره قلبكِ.

ولذلك لا تستطيعين أن تثقي حتى بإحساسكِ: هل تنتظرين فعلاً ما يستحق… أم أنّ "ما يستحق الانتظار" هو ما عُلِّمتِ أن تنتظريه؟

خامساًالانتظار يُعيد تشكيلكِ

من يُقيم في الانتظار طويلاً لا يفقد الوقت فقط. إنما يطوّر مهارات تساعده على البقاء في قاعة الانتظار.

تأمّلي المرأة التي تنتظر أن يتغيّر زوجها منذ عشرين سنة. صارت تعرف من ضحكته الأولى في الصباح هل اليوم "مميّز" أم "صعب". تقرأ صمته كأنه كتاب. لكنها — هي نفسها — لم تعد تعرف ماذا تريد لعشاء يوم الأحد.

كلّ طاقتها ذهبت إلى قراءته.

وهنا المفارقة الصامتة: كلّما طال الانتظار، قلّت الأدوات التي تُنهيه. الانتظار يأكل أدوات الخروج منه.

سادساًحين يصير الانتظار هوية

في البداية: "أنا أنتظر شيئاً." ثم — مع التكرار: "أنا منتظِرة." الفرق دقيق وحاسم: الأول وصفٌ لحالة، والثاني تعريفٌ للذات.

في العائلة يقولون عنكِ: "هي صبورة، الله عطاها الصبر." "متفهّمة بزّاف تبارك الله، ما كتعقّدش الأمور." ويبنون توقّعاتهم على ذلك.

حين يقع خلاف بين أخويكِ، يأتون إليكِ للصلح. حين يضيق والدكِ يُقال لكِ: "سيري ليه، نتِ اللي كتقدري تصبري معاه."

وأنتِ لا تجرؤين على خذلانهم، لأن خذلانهم يعني أن تكوني شخصاً آخر. وأنتِ لا تعرفين هذا الشخص الآخر.

سابعاًالانشغال الذي يشبه الانتظار

كثيرات يقلن: "أنا لستُ منتظِرة… أنا أعمل." الفرق ليس في النشاط. الفرق في موقع الفاعلية.

الفتاة التي تتعلّم اللغات وتذهب للرياضة وتقرأ — "حتى تكون جاهزة" — مشغولة جداً. لكنّ كلّ حركتها تدور حول نقطة ثابتة: انتظار من يختارها.

أعمق أشكال الانتظار لا يبدو انتظاراً، إنما يلبس ملابس الإنجاز.

ثامناًالمأزق

افترضي أنكِ قرأتِ كلّ ما سبق وصدّقتِه. ماذا الآن؟

الخروج من قاعة الانتظار يتطلّب اعترافين قاسيين معاً: أنّ مَن تنتظرينه قد لا يأتي. وأنكِ أنفقتِ من نفسكِ في انتظاره عمراً لا يُستردّ.

لكنّ هذا ليس المأزق الحقيقي. بعد أن يصبح الانتظار هويةً لكِ، يصبح "الخروج" فقداناً عوض أن يكون تحرّراً.

من ستكونين حين تكفّين عن الانتظار؟ الصبورة ماتت. المتفهّمة سقطت. ولا أحد يعرف من يأتي بعدها.

ولأنّ الفراغ مُرعب أكثر من السجن المألوف، يُختار الحلّ الأقلّ كلفة: انتظار جديد، بموضوع جديد، بوعد جديد. "دابا نتزوّج ونرتاح." "دابا نولد ونرتاح." "دابا يكبرو الدراري ونرتاح." "دابا راجلي يشدّ التقاعد ونرتاح."

لا أحد يخرج من الانتظار. ينتقل فقط إلى غرفة أخرى مجاورة.

في النهاية

الانتظار، حين يطول، يتحوّل من شيء نفعله إلى شيء نكونه.

والأقسى ليس أنه دخل إلينا. الأقسى أنّ من يقرأ هذا النصّ الآن سيشعر، ربما، أنه استثناء.

وهذا الإحساس بالاستثناء — هو نفسه ما يسمح للانتظار أن يستمرّ.

وأنتِ تطوين هذا النصّ وتعدين نفسكِ بأنكِ ستفكّرين فيه لاحقاً — أنتِ فقط تنتظرين لحظة أوضح.

إن لامسك هذا النص، أو أثار في داخلك شيئاً لا تجدين له اسماً بعد، صندوق البريد مفتوح لكِ دائماً.

راسلينا على letters@nafssi.com أو اطلعي على رسائل القارئات هنا

رسالة كلّ جمعة — الثانية صباحاً

ليست نشرة أخبار. نصٌّ واحد في الأسبوع — يصلكِ حين يكون النوم بعيداً.